عودة الحركة الوطنية لتحرير أزواد إلى الصدارة بجدارة

شهدت نهاية شهر نوفمبر وبداية شهر ديسمبر 2019 انعقاد المؤتمر الرابع لللحركة الوطنية لتحرير أزواد منذ تأسيسها حتى الآن.
هذا المؤتمر انعقد في فترة تعج فيها المنطقة بالمؤتمرات، حيث جاء بعد شهر فقط من انعقاد المؤتمر الثاني للمجلس الأعلى لوحدة أزواد والذي حقق نجاحا باهرا ورفع سقف التحدي إلى درجة كبيرة.

منذ تأسيسها باسم الحركة الوطنية الازوادية “MNA” في العاصمة الثقافية لأزواد جوهرة الصحراء مدينة العلم والعلماء تنبكتو أول نوفمبر سنة 2010 ثم تغيير إسمها بعد ذالك في ظاكاك بعد مجيئ الثوار القادمين من ليبيا إلى الحركة الوطنية لتحرير أزواد “MNLA” في 2012، منذ ذالك الوقت مرت الحركة الوطنية لتحرير أزواد بمراحل عديدة تتراوح ما بين بزوغ النجم ، فانكداره ثم عودته للحياة والتوهج من جديد.

لقد قلت في مقال سابق أنه منذ أحداث غاوة شهر يونيو 2012 وبالتحديد منذ هجوم حركة التوحيد والجهاد على الحركة الوطنية لتحرير أزواد والمشروع الازوادي بقيادة الحركة الوطنية لتحرير أزواد في مرحلة دفاع عن نفسه وعن أهدافه أمام مشروع موازي مضاد لم يكن يضعه في الحسبان، ومما صعب المهمة أكثر على أصحاب المشروع الوطني الازوادي هو أن الأدوات المستخدمة في هذا المشروع المضاد ازوادية بامتياز .

وبعد سنوات من التفادي والهروب تارة ثم المواجهة في بعض الأحيان عندما لا تكن هناك خيارات أخرى، استطاعت الحركة الوطنية لتحرير أزواد أن ترسم لها خطا سياسيا عسكريا مهما كان صعبا إلا أنه هو الأفضل من بين الخطوط السياسية الموجودة على أرض أزواد في الوقت الحالي، ومن خلال هذا الخط تغلبت الحركة على الكثير من الصعوبات مع أنه أغضب الكثيرين من داخل الحركة نفسها وبفضله أيضا استطاعت قيادة الحركة الوطنية لتحرير أزواد التعامل مع شريحة كبيرة من القادة الازواديين الذين كانوا يعارضون بشدة أغلب أهداف المشروع الازوادي وخاصة الإنفصال عن دولة مالي وبفضل سياسة الحكمة المتزنة لدى قيادة الحركة أنشئت تنسقية الحركات الازوادية “سيما” وأصبح هؤلاء القادة وربما بدون أن يشعروا طرفا مؤثرا في هذا المشروع وركيزة من ركائزه التي يستند إليها، وهذا إنجاز أقل ما يقال عنه أنه جبار وعظيم.

ومن جهة أخرى صاروا من لم يترددوا في معارضة المشروع الازوادي فحسب بل ورفعوا السلاح في وجهه وقادوا حملة شرسة لشيطنته، أصبحوا الآن قاب قوسين من الانضمام إليه أو على الأقل عدم معارضته، وبفضله أيضا أزيحت مجموعة كبيرة من خط مواجهة القضية الازوادية وباتت تبحث لها عن كيفية تنسيق بينها وبين تنسيقية الحركات الازوادية ورأينا بيانات مشتركة صدرت أخيرا بإسم الطرفين، كل هذه المحاولات تندرج في نفس سياق التقرب إلى المشروع الأزوادي بطريقة أو بأخرى من قبل جميع الأطراف التي أصبحت لديها قناعة راسخة مفادها أن المشروع الشرعي الوحيد في المنطقة هو المشروع الازوادي ولا شيئ غيره وكل ما تبقى فهو عبارة عن زوبعة في فنجان وأن من يثبت نفسه قويا داخل هذا المشروع العادل سيكون له دوره ومكانته واحترامه على أرض أزواد وفي مالي وخارجه .

ونلاخظ أيضا أسلوب اللف والدوران الذي تمارسه أغلبية هذه المجموعات اثناء تقربها من المشروع الازوادي وامساكها العصى من الوسط ربما حتى تزول الضبابية وينكشف المشهد، ومما يثبت ما أقوله هو أن الجميع بات مقتنعا اقتناعا تاما أن التمسك بمبدأ وحدة تراب مالي هو ضرب من الخيال وأن وحدتها أصبحت في مهب الريح وهي تنهش من كل ناحية وحتى كبار المفكرين والبرلمانيين والسياسيين والعسكريين في مالي وفي الخارج باتوا يدركون ذالك وقالوها بصراحة داخل البرلمان وطالب أحدهم بسحب جيش مالي من كل مناطق أزواد إن وجد إلى الحدود الرسمية التي تم ذكرها بعد إعلان استقلال أزواد في 6 أبريل 2012 وهي مدينة دونزا.

مالي كانت ولا زالت دولة فاشلة ومنهكة بالديون وتقودها طبقة سياسية فاسدة اجتماعيا واخلاقيا وسياسيا وفاقدة للروح الوطنية وفاقد الشيئ لا يعطيه.

أرى المحاولات العاجزة لوزير خارجية مالي الجديد “تيبلي ادرامي” التي أراد من خلالها أن يثبت عكس ماهو واقع على الأرض بالتصريحات والتغريدات عبر منصات وسائل التواصل الاجتماعي ولا اجد ما يناسبه إلا قول الشاعر:

لو ناديت حيا لسمعت …. ولكن لا حياة لمن تنادي
ولو أن نارا نفخت فيها أضاءت …. ولكنك تنفخ في رماد

نعود لأجواء المؤتمر الغير عادي الذي نظمته الحركة الوطنية لتحرير أزواد في الفترة ما بين31 نوفمبر حتى 3 ديسمبر 2019 والذي حطم كل الأرقام القياسية الممكنة من التنظيم العالي إلى الحضور المميز والمتنوع (الجزائر – ليبيا – موريتانيا – النيجر – المغرب – بوركينا فاسو – تونس ومالي), إلى المواضيع الثرية والمتنوعة التي تم التعرض اليها الى الخطابات الغنية التي القيت فيه إلى الاحتفالات والعروض الثقافية والتقليدية إلى الاستعراضات العسكرية وطريقة تنظيم كل هذه الأنشطة وتأمينها بدقة ونجاح باهرين مما أثار اعجاب واستغراب القريب قبل البعيد.

الحقيقة هي أن كل الذين حضروا هذا المؤتمر عادوا بنتيجة واحدة مفادها أن الحركة الوطنية لتحرير أزواد قامت بعمل اعجازي وفريد من نوعه تعجز عنه حتى بعض الدول وأن المشروع الازوادي الذي تقوده أصبح رقما صعبا في المعادلة السياسية لشبه المنطقة، ومما يؤكد ما نقوله هو تحرر كل ممثلي الوفود وحتى الرسميين منهم من عقدة الخوف من ذكر كلمة أزواد في خطاباتهم حيث باتوا جميعهم يرددون إسم “أزواد ازواد” بدون تقيد أو خوف بل باعتزاز كبير في غالب الأحيان، وشاهدنا برلمانيين ووزراء ماليين سابقين في دولة مالي وهم يشيدون بالنجاح الباهر الذي حققته الحركة الوطنية لتحرير أزواد في هذا المؤتمر وعلى رأسهم وزير العدل السابق في حكومة مالي والذي هو أب الناشط الاجتماعي الشاب “راس بات ” رئيس حركة “التجمع من أجل الدفاع عن الجمهورية CDR” والذي اصبح بإمكانه إخراج الملايين للشوارع في لحظات بمجرد نداء بسيط عبر وسائل التواصل الاجتماعي وقد استندت المعارضة عليه في الآونة الأخيرة للضغط على الحكومة المالية ومن خلال المظاهرات المشتركة التي نظموها استطاع الضعيف تيبلي ادرامي وزير خارجية مالي الحالي الذي يصدع رؤوسنا هذه الأيام بسيادة مالي ووحدة تراب مالي العودة إلى وزارة الخارجية.

لاشك أن التظيم الناجح لهذا المؤتمر والذي كان بأيادي ازوادية بحتة وبلمسات أزوادية ساحرة كان السبب في التأثير إيجابا على الوفود المشاركة وإعطائها صورة معاكسة لما كانت تسمعه وتراه عبر الإعلام المالي والعالمي المضللين.

ومن الخطابات المميزة التي أثارت الانتباه أكثر من غيرها هو خطاب الأمين العام للحركة الوطنية لتحرير أزواد السيد بلال اغ الشريف والذي كان في قمة الروعة والموضوعية وخرج السيد بلال اغ الشريف عن أسلوبه المألوف الذي يتسم بالليونة فكان خطابه الموجه لأهل ازواد خاصة حادا نوعا ما حيث طلب منهم شيئ من الجدية في التعامل مع القضية الازوادية “وقال عليكم أن تضعوا أزواد أولا قبل كل شيئ وليس العكس حيث تقدمون انفسكم وأسركم وقبائلكم على القضية الأزوادية ثم تدعون النضال وحب الحرية بلا مقابل وأضاف قائلا إن القبلية لا تبني الأوطان ولا تهديها على طبق من ذهب وأنتم يا أهل أزواد قبليين إلى حد كبير وعليكم التخلي عن القبيلة إذ لا فائدة من ورائها، وليست هنالك قبيلة في أزواد بإمكانها تحقيق تطلعات افرادها لوحدها ف-بالاحرى تطلعات الشعب الازوادي برمته واتحاداكم جميعا لاثبلات عكس كلامي هذا” والكلام للسيد الرئيس بلال اغ الشريف الأمين للحركة الوطنية لتحرير أزواد والرئيس الحالي لتنسيقية الحركات الازوادية (CMA) .

وجاء خطاب رئيس بعثة الأمم المتحدة متعددة المهام المنيسما في المرحلة الثانية الذي أثنى على جهود الحركة الوطنية لتحرير أزواد التي بذلتها في تنظيم مؤتمر ناجح كهذا وأشاد بالدور الإيجابي لتنسيقية الحركات الازوادية سيما وسعيها الجاد لتوفير الظروف السلمية والأمنية المواتية لتنفيذ اتفاق السلم والمصالحة المنبثق عن مسار الجزائر 2015 “وأضاف قائلا كنا في المجتمع الدولي إلى وقت قريب نشك في قدرتكم على توفير اجواء احتفالية سلمية وأمنية كهذه ” وفي بداية خطابه رحب بالوفود القادمة من مالي ودول الجوار، الشيئ الذي أثار ضجة كبيرة في أوساط وسائل الإعلام والجهات الرسمية المالية ووصفوا خطابه بالانفصالي والمنحاز للأزواديين مع أنه عبر فقط عن أمر واقع يعيشه يوميا.

وشدد قادة الوفود المشاركة على تطبيق إتفاق السلم والمصالحة المنبثق عن مسار الجزائر ووصفوه بالطريق الوحيد الذي سيؤدي إلى استقرار حقيقي وسلام غير مزيف.

واختتمت فعاليات المؤتمر على انغام الفرقة الأزوادية العالمية فرقة “تناريوين” التي غابت كثيرا عن الساحة الازوادية وكانت أجواء احتفالية جدا رائعة حيث فرح السكان والوفود واستمتعوا معا با الأغاني النضالية لفرقة تناروين واستبشر الجميع بعودة الحياة الطبيعية لربوع مدينة كيدال “فالشعوب لا تنسجم إلا مع تراثها وتقاليدها” كما قال معمر القذافي ،وبعيدا عن كيدال نذهب بكم إلى العاصمة المالية بماكو التي تعيش أجواء الحوار الوطني الشامل الذي كان من المفترض أن يكون فرصة للنقاش الجاد والاستماع الى الأراء المتعددة والمختلفة حول كيفية الأمن والاستقرار والتعايش السلمي بين كافة المواطنين إلا أن تصرفات بعض المشاركين أعادت الأمور للمربع الأول حيث تمت مهاجمة أعضاء الوفد المشارك من تنسيقية الحركات الازوادية لمجرد أن السيد التاي اغ محمد وموسى اغ السغيد تحدثا باللغة التماشقية مما أثار ضجة كبيرة كادت تؤدي إلى الاشتباك بالأيدي، الشيئ الذي يؤكد كلامنا عن ضعف وهشاشة النظام المالي واستحالة تقبل أي تنوع عرقي أو فكري أو ثقافي لغير القومية الحاكمة منذ استقلال البلد حتى الآن ،والحضور القوي لثلاثي الحركة الوطنية لتحرير أزواد(موس اغ الطاهر، موسى اغ السغيد، والتاي اغ محمد) منذ مؤتمر الحركة الأخير في كيدال يؤكد أيضا ما قلناه عن عودة الحركة الوطنية لتحرير أزواد إلى الصدارة بجدارة.

وفي الختام إليكم هذه الأبيات الشعرية للفنان والشاعر عبد الله حسن السوقي :

أزواد اتيرمس نجيت أسلامن
تاوضيت تنميرت ناوين دغ إتلا أوادم
أجوض آنرها أميزر إلان إهناين
دغ توجر تيتي أغيل وان براجن
هين إجراهن تمغارين إجراهين برارن
إطاف إركول داغ جيريس دنهراجن
إسانن مسينغ أوكض دلخرامن
أكسوض تغويلين وررها إرك سمالن
نلضش إرك أميزر إكنان دغ إرك أوادم
إغاشد جير توماست إخلاك الخلاكن

بقلم/ بابا سيدي محمد الفردي

•┈┈┈┈•✿❁✿•┈┈┈┈•
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر الكاتب وليس له أي علاقة وجهة نظر بموقع أخبار أزواد “أAzawadnews”

شارك على ...

1 thought on “عودة الحركة الوطنية لتحرير أزواد إلى الصدارة بجدارة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: